RSS
 

قراءة في كتاب “الأنثربولوجيا في الوطن العربي”

19 فبراير

يقدم الكتاب  عرضًا موجزًا عن الدراسات الأنثربولوجية في الوطن العربي، حيث يرصد بشكل موجز، حقل الدراسات الأنثربولوجية في الوطن العربي، من المغرب إلى بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية والعراق ووادي النيل. ويقدم العالمان الأنثربولوجيان الدكتور أبو بكر باقادر والدكتور حسن رشيق، مسحًا عميقًا في تحليلهما ورصدهما لهذه الدراسات المتميزة.

Image associée

أبو بكر أحمد باقادر

Image associée

حسن رشيق

ففي القسم الأول، يتناول الدكتور أبو بكر باقادر، الدراسات والأدبيات التي أجريت على منطقة المشرق العربي، وقدم في البداية تعريفات للأنثربولوجيا ومدارسها وطبيعة عملها وحقولها، ثم استعرض الدراسات التي أجريت في المنطقة والتي ركزت مثلًا على الآثار، وما يتعلق منها بالمراحل التاريخية والإمبراطوريات والحضارات التي نشأت في المنطقة وطبعتها بطابع معين، كعلم المصريات والأكاديات وتاريخ بلاد الشام، كما استعرض الدراسات الأخرى التي اهتمت بالفلكلور والتراث والفنون والمأثورات الشعبية، وكذلك دراسات الأديان والمستشرقين والرحالة، واهتم على نحو خاص بالدراسات الأنثربولوجية التي تناولت الأسرة، وركزت على المرأة ومكانتها في ظل التقاليد المحافظة والنظام الأبوي، واستعرض الدراسات المتعلقة بالحياة البدوية والريفية، وكيفية تشكل النخب التقليدية والحديثة، ووضع القضاء والإجراءات القضائية، ونمو الإسلام السياسي والإرهاب وظاهرة التدين، وكل ما يتعلق بدراسة الحياة العادية.

وفي القسم الثاني قدم الدكتور حسن رشيق، دراسة عن الممارسة الأنثربولوجية في المغرب، نشأتها ومواضيعها ومقترباتها النظرية، واقتصر بحثه على الباحثين المغاربة وبعض الأنثربولوجين الأجانب، الذين اختاروا المغرب أو شمال أفريقيا ميدانًا لدراساتهم، وقدم المؤلف تحليلًا للنصوص والممارسات الأنثربولوجية، وعرض الإشكاليات الأساسية التي طُرحت ودرست في أعماله، والسياقات السياسية والنظرية التي أطّرت أعمالهم والتنظيمات الاجتماعية والبيئات والطقوس والعادات والمعتقدات التي كانت حقلًا لدراساتهم.

المبحث الأول: الدراسات الأنثربولوجية والعالم العربي لأبي بكر أحمد باقادر

يسعى البحث، حسب مؤلفه، إلى تقديم مسح تحليلي موجز عن الدراسات الأنثربولوجية التي تناولت موضوعات ودراسات تركزت “جغرافيا” في مشرق العالم العربي، وبدأ المؤلف بتحديد المقصود بالأنثربولوجيا والدراسة الأنثربولوجية، مذكرا بأن الأنثربولوجيا هي علم الإنسان، الذي يهتم بدراسة الإنسان طبيعيًا واجتماعيًا وحضاريًا”، وتؤكد المدرسة البريطانية وجود فرعين على الأقل  لهذا العلم، “الأنثربولوجيا الطبيعية والأنثربولوجيا الاجتماعية”، والأخيرة عند الأمريكيين تهتم بما عرف بالأنثربولوجيا الثقافية، ويهتم المختصون في هذا العلم بعلم اللغات والآثار، وأبعاد عديدة في حياة المجتمع.

ويرى المؤلف أن مجال الأنثربولوجيا الثقافية واسع، يشمل “دراسة مخترعات الشعوب البدائية وأدواتها وأجهزتها وأسلحتها، وأنواع الألبسة التي تلبسها، والزينة التي تستعملها، وفنونها وآدابها وقصصها وخرافاتها، فهي إذن تدرس الإنتاج الروحي والمادي للشعب المدروس، كما تدرس الاستعارة الحضارية والتطور الحضاري والتغير الاجتماعي في تلك الشعوب”.

ويقصد المؤلف بالدراسة الأنثربولوجية تلك الدراسات التي ينجزها محترفون تخصصوا في علم الإنسان وتدربوا على العمل الميداني داخل ثقافات من قاموا بدراستهم ومجتمعاتهم، وذلك ضمن برامج أكاديمية أشرفت على دراساتهم. ويقصد المؤلف كذلك بالدراسة الأنثربولوجية تلك الدراسات التي تستخدم النظريات والمصطلحات العلمية أو الفنية التي تميز بها هذا الحقل، “العلمي”.

ويرى المؤلف، أن الأنثربولوجيا منذ خمسينيات القرن العشرين، بعد انتهاء حقبة الاستعمار والإدارة المباشرة لبعض الدول الغربية لمقدرات العديد من الشعوب، وقع تحول عن تركيز الاهتمام بالمهمشين و”البدائيين” والمعزولين أو المختلفين عن العالم الغربي، وبدأت دراسات أنثربولوجية، تستخدم المناهج والمصطلحات نفسها لدراسة ظواهر إنسانية بدلاً من دراسة مجتمعات مستعمرة بعينها، وكذلك التوسع في دراسة ما عرف بدراسة المناطق، كمجال لاهتمام المختصين في هذا الحقل العلمي.

 ويتشكل «الخطاب الأنثربولوجي»، أو بالأصح «الخطابات الأنثربولوجية» الدارسة للعالم العربي باعتبارات أخرى، لعل من أهمها ارتباطات هذا الخطاب ومنطلقاته، وبحسب الموقع الذي خرج من رحمه. إذ يشير البعض إلى وجود «علاقة» مشبوهة بين اهتمامات وموضوعات ومن ثم نوعية الدراسات التي يقوم بها علماء الأنثربولوجيا والمصالح الحكومية، وبالذات الإدارات الاستعمارية.

من يدرس من في الانثروبولوجيا؟

ومما يزيد الأمر تعقيدًا، حسب المؤلف، السؤال الآخر حول من يدرس من؟ إذ إن معظم الدراسات كانت دراسات أشخاص من خارج المجتمعات المدروسة، أغلبيتهم من الغربيين، ولم تكن ظاهرة الأنثربولوجيين الأهليين معروفة على الإطلاق. يقول المؤلف، “ولكن مع انخراط أعداد من الباحثين من أبناء هذه المناطق، في موضوعنا من أبناء العالم العربي، ممن تخصصوا في الدراسات الأنثربولوجية، أصبح ما يقدمونه موضع اهتمام ويشكل رافدًا ربما مختلفًا عن دراسات «الخارجيين». ويثير حسين فهيم في كتابه الذي حرره “علماء الأنثربولوجيا الأهليون” تمييزا لهم عن غيرهم، ما يفتح الباب على مصراعيه حول هذه المسألة. ولقد أشار البعض إلى أن الدارس الخارجي ربما كان “أقدر” في الحفاظ على مسافة من الموضوعية من الظواهر الثقافية والاجتماعية التي يدرسها، ولأنها تحدث في مجتمع غير مجتمعه، فإنه لن يتأثر بقبليات ومسبقات تحول دون رؤيتها مباشرة، فهو لا ينطلق من موروثات “محلية” تجعل بعض السلوكيات أو التفسيرات “منطقية” أو “طبيعية” كما قد يقع للدارس المحلي. كذلك يرى البعض أن الدارس الخارجي غير مقيد بالعديد من الضغوط الثقافية والسياسية “المحلية” التي قد يجد الباحث المحلي نفسه مجبرًا على أخذها في اعتباره، بالمقابل يرى البعض أن ما ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار أننا نتحدث عن مختصين دربوا وتم تأهيلهم للقيام بأمثال هذه الدراسات مهنيًا، ومن ثم، فإن الاعتراضات أو الاستدراكات السابقة محدودة التأثير، والباحث المحلي على العكس من ذلك؛ لمعرفته لغة المجتمع والثقافة التي يقوم على دراستها، ولمعرفته بالخلفيات التاريخية، والمعرفة العامة بمجتمعه من ناحية، ومعرفته بسبب شروط تأهيله العلمي، بثقافة المجتمعات الأخرى؛ ربما كان أقدر على القيام بالعديد من المقارنات، وكذلك تقديم العديد من التبصرات في دراسته.

 بالإضافة إلى ذلك، يذكر المؤلف أن الجامعات شهدت منذ الستينيات في أغلب دول العالم العربي، تأسيس أقسام أكاديمية خصصت للدراسات الاجتماعية والأنثربولوجية، بعضها تأسس بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية غربية عريقة، أو بإشراف بعض العلماء البارزين، كقسم الأنثربولوجيا في الإسكندرية أو في جامعة الخرطوم.

مجالات الدراسات الأنثربولوجيا

أ‌-              الدراسات التي اهتمت بالآثار:

يؤكد المؤلف أن الدراسات الأركيولوجيا “الآثار”، وبخاصة الدراسات التي اهتمت بمنطقة مشرق العالم العربي كما وكيفا، تشكل مجالا علميا واسعا، يملك رصيدا تاريخيا طويلا، إذ ارتبطت الدراسات الآثارية في المنطقة باهتمامات وقضايا عادلة في الدراسات الكلاسيكية لمنطقة شهد تاريخها القديم، قيام إمبراطوريات وأديان شكلت جميع المراحل التاريخية التي تلتها، وتتميز الدراسات الآثارية بأنها ذات تاريخ أطول نوعا ما من تاريخ الدراسات الأنثربولوجية الثقافية والاجتماعية، وأن الاهتمام بها لم يكن محدودا داخل إطار المؤسسات الأكاديمية، بل لعل البعد الحكومي المؤسسي في شكل متاحف ومديريات آثار كان حاضرا منذ البداية.

وما يميز الدراسات الآثارية عن الدراسات الأنثربولوجية الأخرى، حسب المؤلف، هو أنها تأخذ طابعا مؤسسيا يسعى إلى إيجاد ارتباط بين أعمال التنقيبات الآثارية والدراسات الأكاديمية، وأن ترتبط هذه الدراسات بشكل واضح مع بعض المؤسسات الحكومية الرسمية، مثل إدارات الآثار أو وزارات الثقافة مباشرة، وهذه الجهات هي التي تمول وتشرف على الأبحاث والتنقيبات، وكذلك ترتبط هذه الدراسات بالمتاحف، ويكاد ينعدم وجود دراسات فردية أو التي لا ترتبط بدوائر وحلقات جماعية، يضيف المؤلف، “وكما هو معلوم غالبا لا يمكن القيام بأي دراسات آثارية إلا بموافقة جهات حكومية رسمية أو ربما أيضا بسبب التكلفة المالية واللوجيستية المعقدة”.

ب‌-          الدراسات الفلكلورية والشعبية:

يذكر المؤلف أن هذا النوع من الدراسات كبير الصلة بفروع عديدة من فروع الأنثربولوجيا، وهو يحظى باهتمام وحضور متميز في فضاء الإنتاج الفكري والثقافي في المشرق العربي، إلا أن دراسة الفولكلور والاهتمام به لا يجد الصدى المأمول داخل الأروقة الأكاديمية، وغالبا ما تخصص له معاهد ومراكز خاصة.

وتشهد دراسات الحكايات والأمثال الشعبية بعض الاهتمام، ويقول أنه وإن تناولت جوانب الأنثربولوجيا، إلا أن الاهتمام لا يزال بشكل أساسي بالجوانب الأدبية، أو بالتناول السطحي برغم وجود مبادرات علمية غربية رائدة في هذا المجال. ويشير الكاتب إلى أن بعض الدراسات الطريفة التي سعت إلى دراسة بعض الظواهر الشعبية والعمل على إرباكها بالسعي الحثيث إلى فهم الثقافة الشعبية العامة وتفسيرها مثل دراسات سيد عويس في كتاباته، “رسائل موجهة لضريح الإمام الشافعي”، أو “هتاف الصامتين”، وبعض الدراسات التي تناولت مثلا ظاهرة الحسد أو السحر والطلاسم الشعوذية، أو الرسوم التي يطلب رسمها بعض الحجاج على جدران منازلهم بعد عودتهم من الحج.

ت‌-          كتابات الرواد من الأدباء والمستشرقين والرحالة:

حظيت الكتابات التاريخية بالعديد من الآراء حول ثقافات الشعوب الإفريقية والآسيوية، شكلت نوعا من الانطباعات والتفسيرات، وقام بعض الباحثين العرب المحدثين أولا بإبراز هذه الآراء وجمعها، وقدم البعض الآخر منهم دراسات تحليلية لما ذكره الباحثون العرب حول الأمم والثقافات التي جاؤوا على ذكرها. وأفرد بعض الدارسين العرب من القرنين 19 و20 دراسات، وإن كانت لا تستخدم متطلبات الدراسات الميدانية، لكن يمكن اعتبارها في الوقت نفسه دراسات رائدة.

الدراسات الأنثربولوجيا الحديثة

يقصد المؤلف بالدراسات الأنثربولوجية الحديثة، الدراسة التي اعتمدت على الدراسات الميدانية واستخدمت قواعد ومتطلبات الدراسات الأنثربولوجية، كما يحددها المختصون في هذا المجال العلمي. وهو بذلك يفرق بين الكتابات التي قام بها غير المختصين، وإن كانت تملك لمسات أو روحا، وبين دراسات اعتمدت منذ انطلاقتها المناهج الأنثربولوجية سواء في جمعها للبيانات أو نظرتها في بلورة إشكالية الدراسة أو المنطلقات النظرية التي تم بها تحليل ما تم جمعه ميدانيا وتفسيره، وهي دراسات غالبا ما تصدر عن أقسام أو مراكز بحثية تقدم نفسها بوصفها “أنثربولوجية”، والأبحاث التي تقدمها حديثة، لأن معظمها أنجز منذ النصف الثاني من القرن العشرين إلى اليوم. ويشير المؤلف إلى أن ما تناوله عبارة عن دراسات محدودة الاهتمام، وهو بذلك لا يتوخى دراسة كل الأبحاث المنشورة وإنما اكتفى ببعضها لمجرد تقديم صورة عن اهتمامات الدارسين الأنثربولوجيين.

وتناولت التغطية المسحية الموضوعات الآتية، “دراسات اهتمت بموضوع المرأة والأسرة”، ثم “دراسات اهتمت بأساليب الحياة البدوية والحضرية”، وكذا “دراسات اهتمت بدراسة العلماء والنخب ودورهم الاجتماعي والثقافي”، بالإضافة إلى “دراسات اهتمت بالقضاء والعدالة وثقافة المحاكم الشرعية والمدنية”، و”دراسات اهتمت بالتدين والإسلام السياسي وما عرف بالإرهاب”، وأخيرا “دراسات اهتمت بالحياة اليومية الحديثة”، وهي الدراسات التي تناولها المؤلف بالأمثلة والتحليل.

مسوح وحوصلات للدراسات الأنثربولوجيا في الشرق الأوسط

يعتبر المؤلف أن الاهتمام الأنثربولوجي بالشرق الأوسط كان متأخرا نوعا ما، إلا أن الدراسات التي تمت في إطاره الجغرافي، حظيت بمراجعات ونقاشات بعضها ظهر في شكل كتب تناولت العالم العربي من المنظور الأنتربولوجي.

ويظهر للمؤلف بعد هذا المسح المختصر لحقل الدراسات الأنثربولوجية بعض الملاحظات العامة، منها تفاوت حجم الدراسات الميدانية في المنطقة ونوعيتها، إذ حظيت بعض الدول العربية بدراسات أكثر من غيرها بل ربما لا نجد دراسات في بعضها، خاصة الدراسات التي قام بها دارسون أجانب، ولعل ذلك يرجع إلى الإجراءات القانونية والبحثية التي تفرضها وتقررها كل دولة على حدة، وكانت موضوعات الدراسات تحددها اعتبارات عديدة ليست فقط أكاديمية، وربما كان الأهم هو السؤال عن كيفية استقبال هذه الدراسات التي أصبحت في أوساط عديدة ومؤثرة وتشكّل واحدا من أهم مصادر المعلومات ومن ثمة السياسات إزاء منطقتنا.

ويؤكد المؤلف أنه ومع أن بعض هذه الدراسات ترجمت إلى العربية، لكن بحسب علم الكاتب لم تظفر هذه الترجمات بالنقد والتحليل، ولم تجد طريقها إلى المقررات الجامعية، وكذلك مع إسهام بعض الأنثربولوجيين المحليين في هذه الدراسات والمشاركة في النقد، إلا أن ذلك غالبا، ما يتم بلغات غير عربية، وفي أوساط أكاديمية أجنبية، وهكذا تغدو في كثير من الأحيان الدراسات الأنثربولوجية موضع فضول واهتمام بدارسي العالم العربي من خارجه، ولا يتصور الكاتب أن هذا موقف سياسي أو إيديولوجي من طرف مختصين في العلوم الاجتماعية، ولكنه قد يكون تقليدا يتعلق بمفاهيم الدراسات الجامعية والكتاب الجامعي الذي يدرسه الطلاب، وإذا كانت هذه الدراسات تصلح أن تكون مادة للاستهلاك الثقافي بين أوساط المثقفين، إلا أن الكاتب لم يلحظ انتقادات لهذه الأدبيات في الكتابات العربية المعاصرة.

ويأمل المؤلف أن تقود هذه الحصيلة إلى لفت أنظار المثقف العربي إلى هذه الأدبيات التي يتناول بعضها اليومي والمعيش والمسكوت عنه بشكل منهجي.

المبحث الثاني: الممارسة الأنثربولوجية بالمغرب للدكتور حسن رشيق

تروم هذه الدراسة إعطاء فكرة عامة عن الممارسة الأنثربوبولجية بالمغرب، عن نشأتها ومواضيعها ومقترباتها النظرية، واقتصر الكاتب على إنتاج الباحثين المغاربة الذي لم تتم العناية – إلا نادرا- بتحليله ونقده، مقارنة بما كُتب حول الأنثربولوجيين الأجانب الذين اختاروا المغرب أو شمال إفريقيا ميدانا لدراستهم.

ويرى المؤلف في تقديمه لبحثه أن الدور الأهم يبقى في إنتاج بحوث أنثربولوجية من طرف أهل البلد، وفي ظل الحوار والمناقشة التي تجمع مختلف الفاعلين، محليين كانوا أو أجانب، ضمن حقل علمي بمختلف تجانساته وتوتراته وتناقضاته. وقد حاول المؤلف تسليط الضوء على جانب من هذا الحقل، أي إنتاجات الأنثربولوجيين المغاربة. وقدم المؤلف لمحة تاريخية رصد خلالها أهم عناصر السياق السياسي والفكري التي أثرت سلبا أو إيجابا على نشأة الأنثربولوجيا في المغرب، ثم حلل بعدها الإشكاليات النظرية والمواضيع المركزية التي تطرق إليها، كالظواهر الدينية والطقوسية والبنيات السياسية والتغيير الاجتماعي والتنظيم الاجتماعي للأنشطة الفلاحية، وفي الأخير قدم مسائلة للمفاهيم المتصلة ببروز الأنثربولوجيين.

السياق السياسي والفكري

يرى المؤلف أنه من الصعب، وربما من غير المفيد حين التأريخ لممارسة علمية ما، تحديد بداية لها بصفة دقيقة، لهذا يفضل التخلص من مفهوم البداية هذا المرتبط بحدث معين، وذلك بالتركيز على الفترة التي تهم دون إغفال الفترات السابقة لها، وربما المؤثرة فيها. انطلاقا من هذا المبدأ، يعتبر الكاتب أن الاهتمام المسترسل بالبحث الأنثربولوجي لم ينطلق إلا مع بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي، بيد أن العلوم الاجتماعية، وبالخصوص علم الاجتماع الذي ساعد على تأسيس الممارسة الأنثربولوجية تعود نشأتها إلى بداية الستينيات من ذلك القرن.

وقد انصب جيل المثقفين المغاربة، علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني وأبو بكر القادري وغيرهم،  الذين عايشوا الفترة الاستعمارية، على المجالات ذات الصلة بالعمل السياسي. ويرى المؤلف أنه يندر أن نجد ضمن هذا الجيل من اهتم بوصف الظواهر الاجتماعية والثقافية ودراستها، لذا يرى أن من واجبه أن يعرج على مؤلفين عبروا عن حس إثنوغرافي يصعب تفسيره بالنظر إلى الرهانات السياسية والتحررية الملحة إبان الفترة الاستعمارية، وهو يقصد بذلك المختار السوسي ومحمد الفاسي.

وبعدما توقف عند مساري السوسي والفاسي، عرج على أول بحث ميداني أجرته مليكة البلغيتي حول “النساء القرويات: نشاطهن اليومي وعلاقتهن داخل الأسرة وتمثلاتهن للإنجاب وتعدد الزوجات”، وأشار إلى اعتماد هذا البحث على المقابلات مع المستجوبات، حيث جاء مليئا بمقتطفات عديدة موضحة لمواقف وتمثلات النساء القرويات.

ويسجل الباحث أن القيمة التي أضافها الرواد على البحث الميداني شكلت حافزا مهما وجسرا ميسرا للعبور إلى ضفة الأنثربولوجيا، خصوصا بالنسبة إلى الباحثين الذين بدؤوا ممارساتهم الميدانية في بداية سنوات 1980، وأخيرا كان لكتابات الأنثربولوجيين الأنغلوساكسونيين والأمريكيين على الخصوص، أثر تدريجي في بلورة تصورات جديدة للممارسات والنظريات الأنثربولوجية.

ويوضح المؤلف أخيرا، أنه لا يتصور السياق التاريخي كشيء ثابت ومتجانس يسري على كل الفاعلين، بل كمجموعة من الموارد والإكراهات يتعامل معها الفاعلون كل من وضعيته، لهذا يمكن للصورة، حسب المؤلف، أن تتعقد لو أخذنا بعين الاعتبار مسارات الباحثين الذين اعتنقوا الأنثربولوجيا في الثمانينات من القرن الماضي.

التنظيم الاجتماعي والتغيير الاجتماعي

ينتقل المؤلف في بداية هذا المحور، إلى الحديث عن الدراسات التي ركزت على قضايا متصلة بالبنيات الاجتماعية والتنظيم الاجتماعي للأنشطة الاقتصادية الفلاحية والتغيير الاجتماعي. ومن المواضيع التي حظيت باهتمام الباحثين تنظيم الأشياء الجماعية “المسجد، السواقي، المراعي،…” في علاقتها بالأطر الاجتماعية “جماعة القرية، القبيلة، التعاونيات..”، والقوانين المحلية المنظمة لها، والتوترات والنزاعات الاجتماعية التي كانت رهانا لها. ويعد البحث الذي قام به محمد مهدي، من الأبحاث المهمة والنادرة التي تناولت الحياة الرعوية داخل قبيلة من قبائل الأطلس الكبير، كسيرورة معقدة يتداخل فيها الاجتماعي والاقتصادي والديني، وقد وصف بتفصيل نمط الإنتاج الفلاحي المحلي: استعمالات المجالين الزراعي والرعوي أصناف التنقلات الرعوية وبالأخص الانتجاع، التقنيات المحلية للرعي، بنية القطيع والعلاقات الاجتماعية المتصلة بالقطيع والتنقلات. ويعتقد الكاتب أن من مزايا هذا البحث، الوصف الدقيق للتمفصلات بين المكونات الأساسية للتنظيم الرعوي، “الجماعة، المجال، التراب، القانون المحلي، الطقوس، والمعتقدات الدينية”.

وضمن إطار نظري مشابه، يتحدث المؤلف عن دراسات “حساين إلحيان” في سياق التغير الاجتماعي، العلاقة بين التراب الاجتماعي والممارسات الزراعية داخل واحة زيز جنوب المغرب، وهو يشدد على أهمية الانتماء الإثني في خضم التغيير الذي تعرفه الواحة، والتي يقطنها ثلاث جماعات. ويمتاز البحث حسب المؤلف دائما، بدراسة دقيقة لتأثير العوامل الخارجية على إعادة تحديد التراب الاجتماعي القديم والكيفية التي استطاع من خلالها “الحراطين” أن يحسنوا من مكانتهم الاجتماعية، خصوصا عن طريق شراء الأراضي وتبني التقنيات الزراعية المبتكرة، ثم الموارد المسخرة لهذا الغرض، كعائدات أفراد العائلات المهاجرة داخل المغرب وخارجه.

وفي مقابل المقترب الكلي الذي كان سائدا لمدة طويلة، بدأ الحديث حسب المؤلف، انطلاقا من نهاية الثمانينات من القرن الماضي، عن “الفردانية المنهجية”، وهي نموذج ينطلق من تصور كل ظاهرة اجتماعية كنتيجة لسلوكات فردية، ومن ثم، فإن تفسير أي ظاهرة اجتماعية يستوجب ردها إلى الأفعال الفردية المكونة لها، ويشدد المؤلف على ضرورة التفريق بين المعنى المنهجي والأخلاقي للفردانية، وتعني من الزاوية الأخلاقية اعتبار الفرد المصدر الرئيس والأعلى للقيم، أما من الناحية المنهجية فمعناها مختلف، يضيف المؤلف، “إذا بسطنا الأمور، قلنا أن هناك تصورين متعارضين نظريا، إذ يذهب التصور الكلي إلى التركيز على الجماعات مدعيا أن الأفراد غير مستقلين وغير أحرار أثناء ممارساتهم الاجتماعية، وأن أفعالهم محكومة ومحددة من طرف البنيات الاجتماعية، فاختيار الشريك مثلا محدد بالرجوع إلى بنيات القرابة، يلزم الشباب في بعض المجتمعات بالزواج ببنت العم، وتحدد بالنسبة إلى التصور الكلي نفسه، البنيات الاجتماعية القبلية أيضا الصديق، الحليف، العدو وما إلى ذلك. ويخلص الكاتب إلى أن الخيارات محددة من طرف الجماعة وليس للفرد بُد من أن ينصاع لها ويتبعها، ويقول، “إذا كان الأمر كذلك، وإذ الأفعال الفردية متشابهة، فلا داعي لدراستها”.

الأنثروبولوجي الأصلي

قبل ختم الدراسة، يرى المؤلف أنه يجب العودة إلى إشكالية ألمح إليها في البداية، وهي المتصلة بالمكانة الاجتماعية والثقافية للباحث، ويقول، “من المعلوم أن الأنثربولوجيا تخصصت في بداية الأمر، إبان الزحف الاستعماري في دراسة الثقافات الأجنبية، أي الخارجة عن نطاق الثقافات الغربية، غير أن الأمور تغيرت مع أفول الاستعمار، فمن ميزات التاريخ القريب لهذا العلم، والتي تعد سيرورة غير مسبوقة، كون المجتمعات التي شكلت موضوعه وميدانه التقليديين لم تعد تدرس من طرف أنثربولوجيين أجانب فحسب، بل أيضا من طرف باحثين “محليين”، وقد أثار هذا المعطى الجديد أسئلة من كلا الطرفين.

من جهة أخرى، يرى الكاتب أنه من المعلوم أن الأنثربولوجيا تعد من الحرف القليلة التي تولي اهتماما بالغا لتعلم اللغات الأجنبية، وعلى عكس أغلبية المستشرقين، يقول المؤلف أن الأنثربولوجيين يصبون عادة الاهتمام أكثر على اللغات واللهجات المتداولة، لهذا يرى المؤلف أن الباحثين الأجانب الذين درسوا المغرب تعلموا إحدى اللهجات الأمازيغية أو الدارجة المغربية ونادرا اللغة العربية. هكذا يجد الكاتب أن اللغة الأم هي اللغة الأمازيغية أو إحدى لهجاتها على وجه التدقيق، بالنسبة إلى جل الباحثين الذين اشتغلوا في مناطق أمازيغية. ويوضح المؤلف أن مصطلح الأنثربولوجي في بلده  أو ما شابهه لا يحيل بالضرورة على ثقافة موحدة، وأن الباحث المغربي مدعو أيضا لتعلم اللهجات المحلية إن هو اختار الاشتغال ضمنها مع العلم، أن القواسم المشتركة بين اللهجات والازدواج اللغوي يسهلان عمله الميداني.

 استنتاجات وآفاق

ويختم المؤلف ببعض الاستنتاجات والمقترحات حول التجربة الأنثربولوجية بالمغرب وآفاقها، ويقول أن القراء قد يتساءلون عن جدوى دراسة الظواهر الاجتماعية والثقافية الهامشية، ويؤكد أنه إذا كان المرء يحط من شأن السحر والشعوذة وزيارة الأضرحة، فإن أية دراسة لهذه الظواهر الاجتماعية وأخرى مماثلة ستبدو له عديمة الجدوى، بل مضرة، ومن وجهة نظر المؤلف، يرى أن أهمية دراسة أية ظاهرة اجتماعية كيفما كانت قيمتها الاجتماعية هي أولا ذات طبيعة معرفية.

ويرى المؤلف أن المجتمع الذي لا يعمل إلا على اتهام أعمال مواطنيه بدل من فهمها هو مجتمع جامد ومتكلس، يضيف المؤلف، “فكم من الأحكام المتسرعة كانت مشوشة على فهم مجتمعاتنا، ولاحظنا أكثر من مرة وجود غلبة الظواهر الاجتماعية الريفية التقليدية من الناحية الموضوعاتية، وليس لنا تفسير شامل لهذا المنحى، وما يمكن قوله أن تاريخ الأنثربولوجيا بصفة عامة، والمواضيع التقليدية التي تطرقت إليها، لا تشجع على اقتحام ظواهر حضرية أو عصرية”، من جهة أخرى، أوضح المؤلف أنه حتى علماء الاجتماع المغاربة الذين يفترض فيهم الاهتمام بالظواهر الحضرية كانوا منهمكين على المجال الريفي، وهذا ما جعل المؤلف يرجح في تفسيره لاختيار المواضيع التقليدية، أهمية الرهانات السياسية المحلية على التاريخ الكوني للأنثربولوجيا.

باختصار، يؤكد المؤلف، “لقد كان للاختيارات السياسية التي أولت اهتماما خاصا للتحديث الفلاحي آثار حول توجه رواد علم الاجتماع وبعدهم علماء الأنثربولوجيا نحو المجال الريفي. وتجدر الإشارة إلى أن التجديد الذي أدخله كثير من الأنثربولوجيين الأمريكيين منذ منتصف الستينات من القرن الماضي، باشتغالهم في مدن متوسطة الحجم، لم يكن له أي صدى لدى زملائهم المغاربة، وهكذا ما تزال الأنثربولوجيا الحضرية شبه غائبة بالرغم من التحولات التي يشهدها المغرب الذي أصبح أغلب سكانه يقطنون المدن، هذا الإرث من ماضي علم الاجتماع، والذي كان له دور إيجابي في انطلاق الممارسة الأنثربولوجيا، يرجى تجاوزه بخلق توازن بين كل أو جل المجالات، وبدأ الإحساس عند بعض الباحثين في دفع الجيل الجديد من طلبة الدكتوراه إلى الاهتمام بالأنثربولوجيا الحضرية.

بالنسبة إلى الآفاق، يلاحظ المؤلف أنه على الصعيد المؤسسي هناك هشاشة مقلقة سواء على صعيد التعليم أو البحث، ويذهب إلى أنه لا يوجد أثر لأقسام الأنثربولوجيا في الجامعة المغربية، وما يتم تدريسه هو بعض الفروع كالأنثربولوجيا السياسية أو الحضرية باعتبارهما مكملين على التوالي للعلوم السياسية أو علم الاجتماع، فحتى الآن، وباستثناء خريجي الجامعات الأجنبية، تسود العصامية بين الأنثربولوجيين القادمين من آفاق مختلفة. ولهذه السيرورة إيجابيات حسب المؤلف، ولولاها لما كانت الممارسة الأنثربولوجية بالشكل الذي اتخذته، وهي الظاهرة التي لا تخص فقط التجربة المغربية، فعديد من الأنثربولوجيين الغربيين قدموا من تخصصات مختلفة من العلوم الإنسانية والقانونية وحتى الطبيعية، وهذه الهشاشة المؤسساتية تتعارض مع الطلب المتزايد، خصوصا من طرف الجهات الرسمية والمنظمات الدولية لإدماج البعد الثقافي ضمن سياساتها العمومية وبرامجها التنموية. وتتعارض أيضا مع ما تحظى به أيضا الأنثربولوجيا من احترام واهتمام من طرف وسائل الإعلام وأجهزة الدولة، وأصبحت الأنثربولوجيا المنبوذة منذ سنوات، عنوانا مغريا حتى لدى بعض المثقفين المهتمين بقضايا اجتماعية عامة.

ويخلص المؤلف إلى أنه كيفما كانت هشاشة حقل الممارسات الأنثربولوجية بالمغرب، فإنها فتحت آفاقا ومقتربات جديدة، إذ منحت للبعد الثقافي أهميته في فهم الأفعال الاجتماعية، وتعتبر الأنثربولوجيا في ظل تقسيم العمل المتعارف عليه حتى الآن بين العلوم الاجتماعية، العلم الأكثر استعدادا للقيام بهذا الدور.

الكتاب: الأنثربولوجيا في الوطن العربي                      

المؤلفين: أبو بكر أحمد باقادر وحسن رشيق   

الناشر: دار الفكر بدمشق

الطبعة: الأولى/ 2012

المصدر:
دار الفكر
موضوع المقالة:
 

Leave a Reply