RSS
 

الأنثروبولوجيا مرآة الإنسان

يقول كلايد كلوكهون في كتابه (الإنسان في المرآة)[1] الصادر عام 1949م في تعريفه للانثروبولوجيا: الانثروبولوجيا تمسك بمرآة ضخمة أمام الإنسان وتتيح له النظر إلى نفسه، ليرى ما فيه من اختلافات لا حد لها.” وقد تعدّدت الدراسات والاتجاهات التي تناولت الأنثروبولوجيا، في الآونة الأخيرة، بوصفها علماً حديث العهد، على الرغم من مرور ما يقرب من القرن وربع القرن  على نشأة هذا العلم.

وبما أنّ الأنثروبولوجيا تهتمّ بدراسة الإنسان، شأنها في ذلك شأن العلوم الإنسانية الأخرى، فهي ترتبط ارتباطاً  وثيقاً بالمجتمع الإنساني الذي توجد فيه، حيث تعكس  بنيته الأساسية والقيم السائدة فيه، وتخدم بالتالي مصالحه في التحسين والتطوير. لكن الجامعة الجزائرية على غرار الجامعات العربية تخلف عن الركب ولم تعر أي اهتمام لهذا العلم الضروري لتنمية المجتمعات، تحت قناعة أنه علم استعماري تم استغلاله لإحكام السيطرة على المجتمع الجزائري خلال الفترة الاستعمارية.

وهذه الورقة تحاول أن تلقي بالضوء على واقع هذا العلم وآفاقه في الجامعة الجزائرية، وتباين أبرز جوانبه وأبعاده النظرية والتطبيقية، وماهي الضرورة العلمية لفتح مثل هذا التخصص في الجامعة الجزائرية.

هل كانت الجزائر بمنأى عن الأنثروبولوجيا؟

ولا يخفى على أحد أن تخصص الأنثروبولوجيا فتي في الجامعة الجزائرية، وتسعى بعض الجمعيات، ومخابر البحث العلمي، وكذا بعض الجامعات والمراكز الجامعية إلى تأصيل وترسيخ هذا التخصص الذي تأخرت الجامعة الجزائرية على فتحه، على غرار بعض الجامعات العربية منها:

  • المركز الجزائري للبحوث الأنثروبولوجية وما قبل التاريخ والإثنوغرافيا (C.A.R.A.P.E) سنة 1955، وأصبح في 1964 يسمى بـ: مركز البحوث الأنثروبولوجية وما قبل التاريخ والإثنوغرافيا (C.R.A.P.E)، قبل أن يلحق التراث ومختلف الأنشطة سنة 1984 بالمركز الوطني للدراسات التاريخية. وفي عام 2003 تحول (C.N.E.H) إلى مؤسسة عمومية ذات طابع علمي تكنولوجي، تسمى بـ: المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ (C.N.R.P.A.H)..
  • مركز البحث في الأنثروبولوجيا الإجتماعية والثقافية (CRASC)
  • الأدب الشعبي والإثنوآداب بجامعة الجزائر خلال السبعينات من القرن الماضي.
  • الثقافة الشعبية بجامعة أبي بكر بلقايد بتلمسان سنة 2001.
  • ماجستير أنثروبولوجيا بجامعة منتوري قسنطينة 2001 من تنظيم (CRASC).
  • ماجستير أنثروبولوجيا ثقافية واجتماعية بالمركز الجامعي – خنشلة سنة 2006.
  • ماستير أنثروبولوجيا بنفس المركز خلال الموسم 2008/2009.
  • ماستر أنثروبولوجيا بجامعة العربي التبسي – تبسة خلال الموسم 2008/2009 إلى يومنا هذا.
  • ليسانس أنثروبولوجيا بنفس الجامعة خلال الموسم 2009/2010 إلى يومنا هذا.
  • مدرسة الدكتوراه أنثروبولوجيا بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (CRASC)خلال الموسم 2010/2011.
  • مدرسة الدكتوراه أنثروبولوجيا بجامعة مستغانم خلال الموسم 2012/2013.

واقع الأنثروبولوجيا في الجزائر:

المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ [2](C.N.R.P.A.H):

أنشطة هذا المركز كما هو مبين في قانونه الأساسي تتعلق بالبحث في المجالات الثقافية وتفاعل الإنسان مع بيئاته المختلفة منذ عصور ما قبل التاريخ إلى يومنا هذا.

فالأمر يتعلق ببحوث ميدانية تمر بعدة مراحل: من التنقيب وتجميع المعلومات إلى اختبارها، والبعثات الميدانية متعددة التخصصات تشمل: الأنثروبولوجيا، ما قبل التاريخ، وغيرها من التخصصات الأخرى وبالتعاون مع المصورين ومختبرات تقنية.

وقد نشر المركز مختلف أعماله ونتائج دراساته عبر منشورات خاصة به مثل: Lybica  ومجلة القصص والتاريخ وأخرى تسمى الإنسان، كما قام بنشر بحوثه في مجلات ودوريات دولية.

للمركز عدة مخابر للبحث من ضمنها مخابر تضطلع بالبحوث ذات الطابع الأنثروبولوجي، كما يحتوى المركز مكتبة غنية بكتب ودوريات علمية وأرشيف كبير يحتوي على مادة إثنوغرافية لا يستهان بها.

مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافيةCRASC:
لقد تم إنشاء مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (كراسك) بموجب المرسوم الصادر سنة 1992 . ثمرة اقتران سبع سنوات من العمل في إطار وحدة البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية(أوراسك).

كان مستوى التطور الذي حققته هذه الوحدة البحثية هو السبب المباشر في تحولها إلى مركز بحث ذو صبغة وطنية يحمل اسم :[3]CRASC، ليتمتع، من ثمة، بالاستقلالية المالية و الإدارية التامة و يرصد آفاقا جديدة أكثر توسعا و تفتحا.

منذ سنة 1992 وفي غضون واحد وعشرون سنة من تاريخ إنشائه، شهد المركز العديد من التحولات كبرى، حيث أصبح سنة 2003 مؤسسة عمومية ذات طابع علمي وتقني تعمل في إطار قانوني وتنظيمي جديد.[4]

ومن مهام المركز نجد:

تطوير البحوث الأساسية والتطبيقية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، التي تتماشى واحتياجات التنمية الوطنية.

إنجاز البحوث التي من شأنها القيام بالعلوم الاجتماعية والإنسانية في الجزائر والإسهام في تثمين نتائجها.

ضمان تكوين وتأهيل الباحثين وموظفي الدعم مع تحسين قدراتهم العلمية والتسييرية.

تنظيم وترقية اللقاءات العلمية بين الباحثين بهدف تعزيز التبادل والإحاطة بالمادة العلمية.

إصدار مجلة علمية تتكفل بنشر نتائج الأبحاث وتكون بمثابة وصلة همز بين الباحثين.

أهمية الأنثروبولوجيا وموقعنا منها:

إنّ توافر المناخ الأساسي لحرية الفكر والجدل والمناقشة الموضوعية، يعدّ من الضروريات اللازمة للانطلاق بالدراسات الأنثروبولوجيا، وذلك لأنّ الجزائريون يحتاجون إلى دراسة معمّقة لثقافتهم، كما أنّهم في الوقت ذاته، يحتاجون إلى دراسة ثقافات الشعوب الأخرى.

  • فمن خلال الثقافة – وعلى حدّ تعبير كلايد كلوكهون- تضع الأنثروبولوجيا أمام الإنسان، مرآة تمنحه صورة أوضح لنفسه وأقرانه، وتسهم في نشأة المجتمع وطبيعة وظائفه ومنظّماته.
  • كما توضح دوافعنا وسلوكاتنا، فضلاً عن دوافع الآخرين وسلوكاتهم .
  • يزداد تأثير الأنثروبولوجيا وضوحاً في ميادين الفلسفة والآداب والسياسة والاجتماع والاقتصاد… .
  • للأنثروبولوجيا دوراً كبيراً في إبراز التراث، ودراسة العادات والتقاليد وإحياء التراث.
  • يمكن للأنثروبولوجيين المحليين أن يؤدّوا دورا فعالا في مجال مشروعات التنمية، وذلك من خلال تحليل مفهومات الأنثروبولوجيا الثقافية ودراستها دراسة (حقلية) ميدانية.
  • اكتسبت الأنثروبولوجيا في العالمين العربي والإسلامي أرضيّة جديدة منذ الستينات من القرن العشرين، حيث حظيت بتفهّم أفضل لإمكانيات استخدامها، لما يحقّق أهداف هذين العالمين في التقدّم والازدهار.
  • تجلّى الاهتمام العربي بالأنثروبولوجيا، من خلال اعتمادها كتخصّصات ومقرّرات دراسية في الجامعات العربية (جامعة القاهرة، جامعة الإسكندرية، جامعة دمشق، الجامعة اللبنانية، جامعة البحرين، جامعة اليرموك بالأردن، جامعة الكويت، خلال النصف الثاني من القرن الماضي، وبعض الجامعات الجزائرية مطلع الألفية الثالثة.

بعض المهارات التي يمتلكها حامل الشهادة في الأنثروبولوجيا:

  • يكتسب الخريجون “الأنثروبولوجيون” مهارات تؤهلهم لتبوء العديد من الوظائف ، وينجحون في إدارة المشاريع وتقييمها والقيام بالأبحاث ، على الأقل بسبب خاصتين ، الأولى تدريبهم المميز ، والثانية أسلوبهم في رؤية وفهم الأمور
  • تشمل هذه المهارات:
  • معرفة بالعوامل البيولوجية والإيكولوجية والثقافية التي تؤثر في السلوك الإنساني
  • مقاربات نظرية وطرق عملية لتعزيز الفهم حول التبادل الثقافي
  • معرفة بالتنوعات الإثنية ، وبالثقافات ، في بلدان مختلفة
  • البراعة والمهارة والحذق في البحث السوسيولوجي ، العمل الميداني والمقابلات. الفهم العام لأساسيات التطور الإنساني وعلم الوراثة
  • الخبرة في كتابة التقارير الوصفية والأبحاث التحليلية
  • القدرة على تحليل جذور المشاكل الإجتماعية ، والعمل على الحلول مع أفراد من خلفيات ثقافية ذات تنوع واسع.

الخاتمة:

إن المؤشرات الكثيرة تدلّ على إن الأنثروبولوجيا سوف تطوّق العالم الذي نعيش فيه إذ كل شيء سيخضع للتقدير الأنثروبولوجي وان المعرفة الأنثروبولوجية تضحى الأساس والأداة الرئيسية في التعامل مع كل الواقعات أو الظاهرات الكونية، مهما كانت درجة فعاليتها الآنية فلا بد من أن تصل لتحقيق أو اكتشاف قوانين سير الظواهر تلك، وإذا اكتشف العلم الحديث مواطن الضعف في مناهج العلوم الصحيحة فهذا لا يعني -إطلاقاً- تراجع مستويات اليقين في دراسة ظواهر العلوم الإنسانية.

[1]  كلايد كلوكهون، الانسان في المرآة علاقة الانثروبولوجي بالحياة المعاصرة، ترجمه وعلق عليه: د. شاكر مصطفى سليم، قدم له: د. غوث الانصاري، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر بغداد – نيويورك، مطبعة أسعد، بغداد، 1964.

[2] Cree en 1955, le Centre Algerien de Recherches Anthropologiques, Prehistoriques et Ethnographiques (C.A.R.A.P.E) devient en 1964 Centre de Recherche Anthropologiques, Prehistoriques et Ethnographiques (C.R.A.P.E) avant d’etre rattache en 1984, patrimoine et activites, au Centre National d’Etudes Historiques.

En 2003, le C.N.E.H est transforme en etablissement public a caractere scientifique et technologique ; il est denomme Centre National de Recherches Prehistoriques, Anthropologiques et Historiques (C.N.R.P.A.H).

[3] Le CRASC est une institution nationale de recherche créée en 1992 par Décret N°92-215 modifié et complété le 23 mai 1992. Inscrit dans le système national de recherche, il est passé du statut de Centre de Recherche et de Développement (CRD) (1992) à celui d’Etablissement Public à caractère Scientifique et Technologique (EPST en 2002 révisé en 2008).

[4]  مجاهدي مصطفى, مرقومة منصور et نوار فؤاد, « تخصّص الأنثروبولوجيا في الجامعات الجزائرية(وهران، قسنطينة، و تلمسان نموذجا) », Insaniyat / إنسانيات [En ligne], 27 | 2005, mis en ligne le 31 octobre 2012, consulté le 20 septembre 2016. URL : http://insaniyat.revues.org/8206 ; DOI : 10.4000/insaniyat.8206

 

التعليقات مغلقة.